أثار افتتاح مجمع القيادة الاستراتيجية الجديد في العاصمة الإدارية (الأوكتاجون) اهتمامًا واسعًا في إسرائيل حول أحد أكثر مراكز القيادة العسكرية طموحًا في الشرق الأوسط، والأهداف من ورائه.
وقالت صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية إن "مبنى الأوكتاجون ليس مجرد مبنى قيادة. إنه مدينة عسكرية وإدارية محصنة، تم بناؤها على نطاق يهدف إلى إعلان طموحات مصر الإقليمية في الخرسانة والفولاذ وأنظمة الاتصالات الآمنة".
ويمتد المجمع على مساحة تقارب 22 ألف فدان، ويتألف من 13 منطقة استراتيجية ولوجستية. ويضم ثمانية مبانٍ خارجية مثمنة الشكل مترابطة، مرتبة حول هيكلين للقيادة المركزية، وهو تصميم يرمز إلى تكامل القوات المسلحة المصرية ومؤسسات الدولة.
التوسع العسكري المصري يثير اهتمام إسرائيل
وفقًا للصحيفة، فإن افتتاح المجمع جاء تتويجًا لسنوات من التوسع العسكري الكبير، وجذب انتباهًا متجددًا في إسرائيل، إذ لطالما أثارت القدرات العسكرية المصرية المتنامية قلقًا بين بعض المحللين.
وأضافت: "تتشارك مصر وإسرائيل حدودًا مشتركة، وتشكلان معًا الحدود البرية لغزة، مما يمنح كلا البلدين مصلحة مباشرة في تداعيات الحرب".
وأشارت إلى أنه منذ هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، والذي أشعل فتيل الحرب في غزة، ازدادت العلاقات بين تل أبيب والقاهرة توترًا. وبينما يواصل البلدان التنسيق في المسائل الأمنية، كشفت الحرب عن خلافات عميقة حول مستقبل غزة والترتيبات الأمنية على طول حدودهما المشتركة.
ويبلغ طول حدود إسرائيل مع مصر حوالي 152 ميلاً، وهي أكثر الحدود هدوءًا مع إسرائيل. ومع ذلك، لم تشهد العلاقات بينهما تحسنًا حقيقيًا قط، كما تشير الصحيفة.
وقال المقدم (احتياط) إيلي ديكل، الباحث في أنظمة الاستخبارات والبنية التحتية الإسرائيلية في الدول العربية، لموقع "ذا ميديا لاين": "إنه ليس سلامًا باردًا بالمعنى الذي يصفه الإسرائيليون، بل هو أقرب إلى حرب باردة بين الدول دون إطلاق رصاصة واحدة. ما نشهده هو تدهور ملحوظ في التصريحات التي تُنشر في وسائل الإعلام المصرية وعلى لسان المسؤولين. فمنذ الحرب، تصاعدت مشاعر الكراهية والبغض بشكل كبير".
وقالت مريم وهبة، محللة الأبحاث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ"ذا ميديا لاين": "اتسمت الدبلوماسية العامة بطابع تصادمي متزايد، حيث تبنت القاهرة خطابًا أكثر حدة، ومارست ضغوطًا قانونية ودبلوماسية على إسرائيل، وأعربت عن قلقها إزاء مسار الحرب في غزة. وفي الوقت ذاته، استمرت العديد من الآليات الأكثر أهمية، ولا سيما التنسيق الأمني، لأن أيًا من الطرفين لا يستطيع تحمل انهيار كامل. والنتيجة هي علاقة تتسم ببرود سياسي، لكنها تتمتع بمرونة استراتيجية".
وفي منطقة الشرق الأوسط المضطربة، فإن بقاء هذا التنسيق ليس بالأمر الهين.
وعلى الرغم من التوترات، لا تزال اتفاقيات السلام قائمة. ولم يقم أي من البلدين بتخفيض مستوى العلاقات رسميًا، إلا أن مصر لم تعين بديلاً لسفيرها السابق لدى إسرائيل، وأرجأت الموافقة على تعيين المبعوث الإسرائيلي الجديد إلى القاهرة.
التلميحات الإسرائيلية تزيد إلا من حدة التوترات
وقال مايكل هاراري، السفير الإسرائيلي السابق والباحث في معهد ميتفيم الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية، لـ"ذا ميديا لاين": "هذا أمر مثير للإعجاب حقًا. ومع ذلك، تنظر مصر بشكل متزايد إلى إسرائيل على أنها غير قابلة للتنبؤ، والتلميحات الإسرائيلية بأن الحشد العسكري المصري يشكل تهديدًا لا تزيد إلا من حدة التوترات".
وحذرت مصر مرارًا وتكرارًا من أي سيناريو قد يؤدي إلى تهجير جماعي للفلسطينيين من غزة إلى شبه جزيرة سيناء. وتصاعدت هذه المخاوف بعد أن طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقترحاتٍ تدعو إلى نقل سكان غزة إلى أماكن أخرى في المنطقة، كجزء من خطة أوسع لما بعد الحرب وإعادة تأهيل الأراضي الفلسطينية بعد سنوات من الصراع.
وأبدت الحكومة اليمينية الإسرائيلية حماسة كبيرة تجاه الخطة التي طرحها ترامب في أوائل عام 2025. وانتقد المسؤولون المصريون الفكرة بشدة، معتبرين إياها تجاوزاً لخط أحمر استراتيجي، مؤكدين أن استيعاب أعداد كبيرة من الفلسطينيين من شأنه أن يغير بشكل جذري الأمن القومي المصري، ويهدد استقرار سيناء، ويقوض القضية الفلسطينية بشكل دائم- وهو تهديد لا تزال مصر تعتبره قائمًا بسبب الدعم المقدم من داخل الحكومة الإسرائيلية.
وقال هاراري: "تعتبر مصر ذلك محاولة لدفع القضية الفلسطينية إلى داخل مصر".
وبحسب هاراري، فإن إسرائيل ومصر تنظران إلى العلاقة بشكل مختلف. وتابع: "في السنوات الأخيرة، نظرت إسرائيل، عن حق، إلى محيطها بشك كبير"، مضيفًا أن مصر أدركت ذلك في أعقاب هجوم حماس المفاجئ، "لكن إسرائيل لا تفهم كيف يُنظر إلى قضية إعادة توطين الفلسطينيين على أنها تهديد للأمن القومي".
القوات المصرية المنتشرة على طول الحدود
وتجاوزت القوات المصرية المنتشرة على طول الحدود الحدود التي حددها اتفاق السلام.
وأشار محللون إسرائيليون إلى زيادة تدريجية في القوات المصرية على طول الحدود، قائلين إن بعض عمليات الانتشار تتجاوز الحدود التي حددها اتفاق السلام.
وبموجب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لعام 1979، قُسّمت شبه جزيرة سيناء إلى مناطق تخضع لقيود صارمة على القوات المصرية. وأثار الانتشار الأخير للجيش والوحدات الآلية في المناطق الأقرب إلى الحدود الإسرائيلية قلقًا استراتيجيًا في الأوساط الأمنية الإسرائيلية. وتزايد هذا القلق بالتزامن مع التوسع العسكري المصري الأوسع نطاقًا خلال سنوات حكم السيسي.
وأشار ديكل إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية تحت الأرض ومخزونات الصواريخ.
وقال: "منذ اليوم الذي تم فيه توقيع اتفاقية السلام، كانت مؤقتة في نظر المصريين. يوجد حاليًا أربعة أضعاف القوات المتفق عليها على طول الحدود".
وعلى الرغم من استمرار الشكوك المتبادلة بين الطرفين، فمن غير المرجح أن تتحول التوترات إلى حرب. وقال ديكل: "لدى إسرائيل ما يكفي من التهديدات؛ فهي ليست بحاجة إلى التعامل مع الجيش المصري الضخم بالإضافة إلى ذلك".
وليست مصر الدولة الوحيدة التي توسع نطاق وجودها العسكري، فقد زادت إسرائيل أيضاً من إنفاقها الدفاعي ونفذت عمليات في أنحاء المنطقة خلال الحرب.
قال هاراري: "لدى كلا الجانبين مصلحة في الالتزام بالاتفاق. ومع ذلك، يتزايد القلق في مصر بشأن عدم رغبة الحكومة الإسرائيلية في الانخراط في حوار سياسي مع الفلسطينيين، في حين تشجع على النزوح من غزة".
وتضم الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي توصف على نطاق واسع بأنها الأكثر يمينية في تاريخ (الكيان الصهيوني)، وزراء كبار استبعدوا قيام دولة فلسطينية وشجعوا على تهجير الفلسطينيين من غزة، مما وضع إسرائيل في خلاف مع جزء كبير من العالم العربي، بما في ذلك مصر.
ونظرت الصحيفة إلى سيناء باعتبارها موطنًا لعدة منظمات "إرهابية" لا تزال تُشكّل تحديًا لحكومة السيسي. وازدادت مسألة الوجود العسكري على طول الحدود حساسيةً بعد سيطرة القوات الإسرائيلية على شريط ضيق من الأرض على طول الحدود بين غزة ومصر، يُعرف باسم ممر فيلادلفيا.
وأثارت هذه الخطوة خلافات حول الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في الاتفاقيات السابقة. وأصرت مصر على ضرورة احترام أي تغييرات في ترتيبات الحدود للتفاهمات القائمة، بينما تبرر إسرائيل بأن تشديد الرقابة ضروري لمنع تهريب الأسلحة إلى غزة.
التعاون الأمني بين إسرائيل ومصر
وعلى الرغم من تصاعد التوترات، لم يتوقف التعاون الأمني بين إسرائيل ومصر بشكل كامل. فعلى مدى سنوات، نسق البلدان جهودهما بشكل وثيق لمكافحة الجماعات الجهادية العاملة في سيناء. ودعمت إسرائيل حملة مصر لمكافحة الإرهاب من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية، والموافقة على زيادات مؤقتة في انتشار القوات المصرية في سيناء تتجاوز الحدود المنصوص عليها في معاهدة السلام.
واعتبرت الصحيفة أن هذا التعاون يعكس حقيقة أن اتفاقية السلام تخدم مصالح حيوية لكلا الجانبين. فبالنسبة لإسرائيل، أزال السلام خطر نشوب حرب تقليدية مع قوة عسكرية عربية كبيرة. أما بالنسبة لمصر، فقد ضمنت المعاهدة عقودًا من استقرار الحدود ومساعدات عسكرية أمريكية حيوية.
وقال هاراري: "هذا يترك مصر حرة في التعامل مع التهديدات الأكبر في المنطقة. ليس من المفترض أن ترى إسرائيل في الحشد العسكري المصري تهديدًا".
وأضافت وهبة: "أن طموحات مصر الإقليمية، في الوقت الراهن، لا تتجه بالدرجة الأولى نحو مواجهة إسرائيل. فالبيئة الأمنية في مصر تزداد تعقيدًا، حيث يتنافس الصراع في السودان، وعدم الاستقرار في ليبيا، والتوترات مع إثيوبيا، والضغوط الداخلية المتزايدة، على اهتمام القاهرة".
مع ذلك، لم يختفِ الشك المتبادل تمامًا. فقد أمضت مصر العقد الماضي في تحديث قواتها المسلحة، واشترت طائرات مقاتلة متطورة، وسفنًا حربية، وغواصات، وأنظمة دفاع جوي، إلى جانب توسيع بنيتها التحتية العسكرية في جميع أنحاء البلاد.
قلق واسع في إسرائيل
ولا يرى المحللون الإسرائيليون، بمن فيهم ديكل، أن مصر تشكل تهديدًا عسكريًا مباشرًا، لكن ثمة قلقًا واسعًا من أن الكثير من المعدات الجديدة يتجاوز متطلبات جهود مصر المستمرة لمكافحة التمرد في سيناء.
وقالت وهبة: "إن تحديث الجيش المصري يستحق اهتمامًا دقيقًا، لا سيما بالنظر إلى حجمه وسرعته. لكن لا ينبغي تفسيره تلقائيًا على أنه استعداد للصراع".
لذا، اعتبرت الصحيفة أن افتتاح مبنى (الأوكتاجون) يأتي في لحظة حساسة. فمن الطبيعي أن يلفت الكشف عنه الأنظار في إسرائيل، حيث يثير مزيج التحديث العسكري المصري، والخلافات الحدودية المستمرة، والقضية الفلسطينية تساؤلات حول مسار العلاقة على المدى البعيد.
وخلصت وهبة إلى القول: "لقد أثبتت معاهدة السلام مرارًا وتكراًرً أنها أكثر متانة من العلاقة السياسية المحيطة بها... لأنها تعكس مصلحة استراتيجية دائمة بدلاً من الثقة المتبادلة. لقد جعلت الحرب التعاون أكثر تعقيداً وأكثر ضرورة من أي وقت مضى".
https://www.jpost.com/middle-east/article-901808

